القاضي عبد الجبار الهمذاني

34

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قالوا : إن في العقول واجبات لا بد منها ولا تعلم صفتها إلا من قبل رسول أو إمام ، فلا بد من أحدهما ؛ وذلك لأن شكر النعمة واجب في عقل كل عاقل ، ونعمة اللّه هي الأصل ، فلا بد من وجوب شكره عليها ، فإذا لم يعلم كيف يشكره ، فلا بد من مبين لذلك . قيل له « 1 » : قد بينا في غير موضع من هذا الباب حقيقة الشكر ، وما يرجع منه / إلى أفعال القلوب ، وما يرجع منه إلى الإعراب بالقول ، وما يجرى مجراه وإذا كان ذلك يتم مع فقدهما ، فالحاجة إلى أحدهما زائلة . وبعد فقد بينا في كتاب المعرفة أن مؤدّى الشكر قد يؤديه على طريق الجملة إذا لم يتكامل شرط التفصيل . وقد يلزمه ذلك كما يلزمه على جهة التفصيل ، فلو لم يعلم كيفيته إلا برسول أو إمام ، لصح الغنى عنهما وأن لا يلزم أن يفعل الشكر إلا على وجه الجملة . ولا يمكنهم أن يقولوا : نحتاج في معرفته على وجه الجملة إلى رسول أو إمام ؛ لأنا نعلم بعقولنا أن ذلك يعلم مع فقدهما ؛ إذ الشكر الواجب في نعمه تعالى محمول على شكر النعمة الحاضرة . فإذا علم ذلك على الجملة ، فكذلك القول فيما يلزم من شكره تعالى . وقد بينا أن هذا القول يبطل كل التكليف ، لأنا نرجع إلى العقل في صفة سائر الواجبات ، وما يوجب الاستغناء في العقل في معرفتها ، ينبغي أن يستغنى بالعقل في معرفة شكر النعمة وكيفيته . ومتى قال القائل في الجميع بالحاجة إلى الرسول ، لزمه قول من يقول : إنا « 2 » بالعقل لا نفرق بين الحسن والقبيح ، والإحسان والإساءة ، إلى سائر ما أبطلنا به قول من يسلك هذه الطريقة من المجبرة . وإنما دخلت الشبهة في ذلك على من ظن أن سائر الشرعيات هي شكر لنعمة اللّه ، وظن

--> ( 1 ) الأولى ( لهم ) . ( 2 ) لعلها ( إنه ) .